الــواحـchairiـــة

أبا تمام لا تقرأ قصائدنا.. فكل قصورنا ورق .. وكل دموعنا حجر...

مختارات لنزار قباني

                                                                          

  1

amiri19.jpg (35676 octets)

                                                       هوامـش على دفتر النكسة

أنعي لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
أنعي لكم :
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة..
أنعي لكم..
نهاية الكفر الذي قاد إلى الهزيمة.
2


مالحة في فمنا القصائد
مالحة ضفائر النساء
والليل والأستار، والمقاعد
مالحة أمامنا الأشياء..
3


يا وطني الحزين
حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين..
4


لأن ما نحسه
أكبر من أوراقنا..
لابد أن نخجل من أشعارنا
5


إذا خسرنا الحرب ، لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه
لأننا ندخلها
بمنطق الطلبة والربابة..
6


السر في مأساتنا
صراخنا أضخم من أصواتنا
وسيفنا..
أطول من قاماتنا..
7


خلاصتة القضية
توجز في عباره
لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهلية...
8


بالناي والمزماز
لا يحدث انتصار...
9


كلفنا ارتجالنا
خمسين ألف خيمة جديدة..
10


لا تلعنوا السماء
إذا تخلت عنكم
لا تلعنوا الظروف
فالله يؤتي النصر من يشاء
وليس حدادا لديكم..
يصنع السيوف..
11


يوجعني أن أسمع الأنباء في الصباح
يوجعني..
أن أسمع النباح ...
12


ما ذخل اليهود من حدودنا
وإنما..
تسربوا كالنمل من عيوبنا..
13


خمسة آلاف سنة ..
ونحن في السرداب
ذقوننا طويلة
نقودنا مجهولة
عيوننا مرافئ الذباب ..
يا أصدقائي :
جربوا أن تكسروا الأبواب
أن تغسلوا أفكاركم
وتغسلوا الأثواب
قصيدة اعتذار لأبي تمام

ألقيت في مهرجان أبي تمام بالموصل . كانون الأول / ديسمبر 1971

1 -

أحبائي :
إذا جئنا لنحضر حفلة للزار ..
منها يضجر الضجر
إذا كانت طبول الشعر ، يا سادة
تفرقنا .. وتجمعنا
وتعطينا حبوب النوم في فمنا
وتسطلنا .. وتكسرنا.
كما الأوراق في تشرين تنكسر
فإني سوف أعتذر ..
2 -

أحبائي :
إذا كنا سنرقص دون سيقان .. كعادتنا
ونخطب دون أسنان .. كعادتنا ..
ونؤمن دون إيمان .. كعادتنا ..
ونشنق كل من جاؤوا إلى القاعة
على حبل طويل من بلاغتنا
سأجمع كل أوراقي..
وأعتذر...
3 -

إذا كنا سنبقي أيها السادة
ليوم الدين .. مختلفين حول كتابة الهمزة ..
وحول قصيدة نسبت إلى عمرو بن كلثوم ..
إذا كنا سنقرأ مرة أخرى
قصائدنا التي كنا قرأناها ..
ونمضغ مرة أخرى
حروف النصب والجر .. التي كنا مضغناها
إذا كنا سنكذب مرة أخرى
ونخدع مرة أخرى الجماهير التي كنا خدعناها
ونرعد مرة أخرى ، ولا مطر ..
سأجمع كل أرواقي ..
وأعتذر..
4 -

إذا كان تلاقينا
لكي نتبادل الانخاب، أو نسكر ..
ونستلقي على تخت من الريحان والعنبر
إذا كنا نظن الشعر راقصة .. مع الأفراح تستأجر
وفي الميلاد ، والتأبين تستأجر
ونتلوه كما نتلو كلام الزير أو عنتر
إذا كانت هموم الشعر يا سادة
هي الترفيه عن معشوقة القيصر
ورشوة كل من في القصر من حرس .. ومن عسكر ..
إذا كنا سنسرق خطبة الحجاج : والحجاج .. والمنبر ..
ونذبح بعضنا بعضا لنعرف من بنا أشعر ..
فأكبر شاعر فينا هو الخنجر..
5 -

أبا تمام .. أين تكون .. أين حديثك العطر؟
وأين يد مغامرة تسافر في مجاهيل ، وتبتكر ..
أبا تمام ..
أرملة قصائدنا .. وأرملة كتابتنا ..
وأرملة هي الألفاظ والصور..
فلا ماء يسيل على دفاترنا..
ولا ريح تهب على مراكبنا
ولا شمس ولا قمر
أبا تمام، دار الشعر دورته
وثار اللفظ .. والقاموس..
ثار البدو والحضر ..
ومل البحر زرقته ..
ومل جذوعه الشجر
ونحن هنا ..
كأهل الكهف .. لا علم ولا خبر
فلا ثوارنا ثاروا ..
ولا شعراؤنا شعروا ..
أبا تمام : لا تقرأ قصائدنا ..
فكل قصورنا ورق ..
وكل دموعنا حجر ..
6 -

أبا تمام : إن الشعر في أعماقه سفر
وإبحار إلى الآتي .. وكشف ليس ينتظر
ولكنا .. جعلنا منه شيئا يشبه الزفة
وإيقاعا نحاسيا، يدق كأنه القدر ..
7 -

أمير الحرف .. سامحنا
فقد خنا جميعا مهنة الحرف
وأرهقناه بالتشطير ، والتربيع ، والتخميس ، والوصف
أبا تمام .. إن النار تأكلنا
وما زلنا نجادل بعضنا بعضا ..
عن المصروف .. والممنوع من صرف ..
وجيش الغاصب المحتل ممنوع من الصرف!!
وما زلنا نطقطق عظيم أرجلنا
ونقعد في بيوت الله ننتظر ..
بأن يأتي الإمام على .. أو يأتي لنا عمر
ولن يأتوا .. ولن يأتوا
فلا أحدا بسيف سواه ينتصر ..
8 -

أبا تمام : إن الناس بالكلمات قد كفروا
وبالشعراء قد كفروا..
فقل لي أيها الشاعر
لماذا الشعر - حين يشيخ -
لا يستل سكينا .. وينتحر؟
                        
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

amayou4.jpg (57812 octets)

*****************************************************************
هذا أنا...

1

أدمنت أحزاني
فصرت أخاف أن لا أحزنا
وطعنت ألافا من المرات
حتى صار يوجعني ، بأن لا أطعنا
ولُعِنْتُ في كل اللغات..
وصار يقلقني بأن لا ألعنا ...
ولقد شنقت على جدار قصائدي
ووصيتي كانت ..
بأن لا أدفنا.
وتشابهت كل البلاد..
فلا أرى نفسي هناك
ولا أرى نفسي هنا ..
وتشابهت كل النساء
فجسم مريم في الظلام .. كما مني ..
ما كان شعري لعبة عبثية
أو نزهة قمرية
إني أقول الشعر - سيدتي -
لأعرف من أنا ....
2

يا سادتي :
إني أسافر في قطار مدامعي
هل يركب الشعراء إلا في قطارات الضنى؟
إني أفكر باختراع الماء..
إن الشعر يجعل كل حلم ممكنا
وأنا أفكر باختراع النهد ..
حتى تطلع الصحراء ، بعدي سوسنا
وأنا أفكر باختراع الناي
حتى يأكل الفقراء، بعدي ، " الميجنا"
إن صادروا وطن الطفولة من يدي
فلقد جعلت من القصيدة موطنا..
3

يا سادتي :
إن السماء رحيبة جدا..
ولكن الصيارفة الذين تقاسموا ميراثنا ..
وتقاسموا أوطاننا..
وتقاسموا أجسادنا..
لم يتركوا شبرا لنا ..
يا سادتي :
قاتلت عصرا لا مثيل لقبحه
وفتحت جرح قبيلتي المتعفنا..
أنا لست مكترثا
بكل الباعة المتجولين..
وكل كتاب البلاط..
وكل من جعلوا الكتابة حرفة
مثل الزنى...
4

يا سادتي :
عفوا إذا أقلقتكم
أنا لست مضطرا لأعلن توبتي
هذا أنا ...
هذا أنا ...
هذا أنا ...
حزب المطر

أنا لا أسكن في أي مكان
إن عنواني هو اللامنتظر ...
مبحرا كالسمك الوحشي في هذا المدى
في دمي نار .. وفي عيني شرر
ذاهبا أبحث عن حرية الريح،
التي يتقنها كل الغجر..
راكضا خلف غمام أخضر
شاربا بالعين آلاف الصور
ذاهبا .. حتى نهايات السفر ..
مبحرا .. نحو فضاء آخر
نافضا عني غباري
ناسيا اسمي ...
وأسماء النباتات ..
وتاريخ الشجر..
هاربا من هذه الشمس التي تجلدني
بكرابيج الضجر ..
هاربا من مدن نامت قرونا
تحت أقدام القمر ..
تاركا خلفي عيونا من زجاج
وسماء من حجر ..
ومضافات تميم ومضر ..
لا تقولي : عد إلى الشمس .. فإني
أنتمي الآن إلى حزب المطر..
*******************************************************************
خمس رسائل إلى أمي

1

صباح الخير .. يا حلوة..
صباح الخير .. يا قديستي الحلوة..
مضى عامان يا أمي،
على الولد الذي أبحر
برحلته الخرافية..
وخبأ في حقائبه..
صباح بلاده الأخضر
وأنجمها، وأنهرها، وكل شقيقها الأحمر..
وخبأ في ملابسه
طرابينا من النعناع والزعتر..
وليلكة دمشقية..
2

أنا وحدي ..
دخان سجائري يضجر
ومني مقعدي يضجر
وأحزاني عصافير، تفتش بعد عن بيدر
عرفت نساء أوروبا ..
عرفت عواطف الإسمنت والخشب
عرفت حضارة التعب..
وطفت الهند، طفت السند،
طفت العالم الأصفر..
ولم أعثر..
على امرأة تمشط شعري الأشقر
وتحمل في حقيبتها إلى عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشلني إذا أعثر
أيا أمي .. أنا الولد الذي أبحر..
ولا زالت بخاطره
تعيش عروسة السكر
فكيف .. فكيف .. يا أمي
غدوت أبا .. ولم أكبر؟
3

صباح الخير من مدريد..
ما أخبارها الفلة؟
بها أوصيك يا أماه
تلك الطفلة الطفلة..
فقد كانت أحب حبيبة لأبي.
يدللها كطفلته..
ويدعوها إلى فنجان قهوته..
ويسقيها، ويطعمها
ويغمرها برحمته..
ومات أبي ..
ولا زالت تعيش بحلم عودته
وتبحث عنه في أرجاء غرفته..
وتسأل عن عباءته..
وتسأل عن جريدته..
وتسأل حين يأتي الصيف عن فيروز عينيه
لتنثر فوق كفيه ..
دنانيرا من الذهب..
4

سلامات..سلامات..
إلى بيت سقانا الحب والرحمة..
إلى أزهارك البيضاء..
فرحة " ساحة النجمة " ..
إلى تختي، إلى كتبي،
إلى أطفال حارتنا..
وحيطان ملأناها بفوضى من كتابتنا ...
إلى قطط كسولات
تنام ع لي مشارقنا..
وليلكة معرشة على شباك جارتنا..
مضى عامان.. يا أمي
ووجه دمشق ..
عصفور يخربش في جوانحنا
يعض على ستائرنا..
وينقرنا ، برفق، من أصابعنا..
مضى عامان يا أمي ..
وليل دمشق .. فل دمشق ..
دور دمشق ..
تسكن في خواطرنا..
مآذنها .. تضيء على مراكبنا..
كأن مآذن الأموي قد زرعت بداخلنا
كأن مشاتل التفاح تعبق في ضمائرنا
كأن الضوء والأحجار..
جاءت كلها معنا..
5

أتى أيلول أماه ..
وجاء الحزن يحمل لي هداياه
ويترك عند نافذتي..
مدامعه وشكواه
أتى أيلول أين دمشق؟
أين أبي وعيناه؟
وأين حرير نظرته، وأين عبير قهوته
سقى الرحمن مثواه..
وأين رحاب منزلنا الكبير. وأين نعماه؟
وأين مدراج الشمشير .. تضحك في زواياه؟
وأين طفولتي فيه ..
أجرجر ذيل قطته..
وآكل من عريشته
وأقطف من " بنفشاه "
دمشق . دمشق .
يا شعرا ..
على حدقات أعيننا كتبناه ..
ويا طفلا جميلا
من ضفائره صلبناه
جثونا عند ركبته
وذبنا في محبته
إلى أن في محبتنا قتلناه..
oudabarq.JPG (50658 octets)
(هدنة مع المغول أمام غابة السنديان) من ديوان (أحد عشر كوكبًا)، .1992

كائنات من السنْدِيان تُطيلُ الوقوفَ على التلّ.. قَدْ
يصعَدُ العُشْبُ من خبزنا نحوها إِنْ تركنا المكانَ، وَقَدْ
يهبط اللازوردُ السماويُّ منها إِلى الظلِّ فوق الحصونْ.
مَنْ سيملأ فُخَّارنا بعدنا? مَنْ يُغيِّرُ أَعداءنا عندما يعرفونْ
أَننا صاعدون إِلى التلِّ كي نمدَحَ الله..
في كائناتٍ من السنديانْ?
كلُّ شيء يدلُّ على عَبَث الريح، لكننا لا نَهُبُّ هباءْ
رُبَّما كان هذا النهارُ أَخَفَّ علينا من الأَمس، نحن الذينْ
قد أَطالوا المكوثَ أَمام السماء، ولم يعبدوا غير ما فَقَدُوا
من عبادتهمْ. رُبَّما كانت الأَرضُ أَوسعَ من وَصْفها. ربما
كان هذا الطريقُ دخولاً مع الريح..
في غابة السنديانْ
الضحايا تَمُرُّ من الجانبينْ، تقول كلامًا أَخيرًا وتسقط في
عالَمٍ واحدٍ. سوف ينتصرُ النسْرُ والسنديانُ عليها، فلا بُدَّ مِنْ
هُدْنَةٍ للشقائق في السهل كي تُخْفِيَ الميتين على الجانبين، وكيْ
نَتَبَادَلَ بَعْضَ الشتائم قبل الوصول إِلى التلّ. لا بُدَّ مِنْ
تَعَبٍ آدميّ يُحَوِّل تلك الخيولَ إِلى..
كائناتٍ من السنديانْ
الصدى واحدٌ في البراري: صدى. والسماءُ على حجر غرْبَةٌ
عَلَّقتْها الطيورُ على لا نهايات هذا الفضاء، وطارتْ..
والصدى واحدٌ في الحروب الطويلة: أُمٌّ، أَبٌ، وَلَدٌ صَدَّقوا
أَنَّ خلف البحيرات خيلاً تعود إِليهم مُطَهَّمةً بالرجاء الأَخيرْ
فأَعدُّوا لأحلامهم قهوةً تمنع النومَ..
في شَبَح السنديانْ
كُلُّ حربٍ تُعَلِّمنا أَن نحبَّ الطبيعة أَكثرَ: بعد الحصارْ
نَعْتَني بالزنابقِ أَكثرَ، نقطف قُطْنَ الحنان من اللَوْزِ في
شهر آذارَ. نزرع غاردينيا في الرخام، ونَسْقي نباتاتِ جيراننا
عندما يذهبون إِلى صَيْد غزلاننا. فمتى تَضَعُ الحربُ أَوزارها
كي نفُكَّ خُصُورَ النساء على التلّ..
من عُقدة الرَّمز في السنديانْ?
ليت أَعداءَنا يأخذون مقاعدنا في الأَساطير، كي يعلموا
كم نُحبُّ الرصيفَ الذي يكرهون.. ويا ليتهم يأخذونْ
ما لنا من نُحاس وبرْق.. لنأخذ منهم حرير الضجرْ
ليت أَعداءنا يقرأون رسائلنا مرتين، ثلاثًا.. ليعتذروا
للفراشة عن لعبة النار..
في غابة السنديانْ
كم أَردنا السلامَ لسيِّدنا في الأَعالي.. لسيدنا في الكُتُبْ
كم أَردنا السلامَ لغازلة الصُوف.. للطفل قرب المغارةْ
لِهُواة الحياة.. لأَولاد أَعدائنا في مخابئهمْ.. للمَغُولْ
عندما يذهبون إِلى ليل زوجاتهم، عندما يرحلونْ
عن براعم أَزهارنا الآن.. عَنَّا،
وعن وَرق السنديانْ
الحروب تُعَلِّمنا أَن نذوق الهواء وأَن نمدح الماء. كَمْ
ليلةً سوف نفرح بالحُمُّص الصلْب والكستنا في جيوب معاطفنا?
أَمْ سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ? ونسأَل: هَلْ
كان في وُسْع مَنْ مات أَلاَّ يموت ليبدأ سيرتَهُ من هنا?
رُبَّما.. رُبَّما نستطيع مديح النبيذ ونرفعُ
نخْبًا لأَرملة السنديانْ
كُلُّ قَلْبٍ هنا لا يردُّ على الناي يسقط في
شَرَك العنكبوت. تمهَّلْ تمهَّلْ لتسمع رَجْعَ الصدى
فوق خيل العَدُوّ، فإِنَّ المغُول يُحبُّون خمرتنا
ويريدون أَن يَرْتَدوا جلد زوجاتنا في الليالي، وأَنْ
يأخذوا شعراء القبيلة أَسرى، وأَنْ
يقطعُوا شَجَرَ السنديانْ
المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ
حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ، ويريدوننا
أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْ..
سوف نحفظ أَمثالهم.. سوف نغفر أَفعالَهُم عندما يذهبونْ
مَعَ هذا المساء إِلى ريح أَجدادهمْ
خلفَ أُغنيةِ السنديانْ
لمْ يجيئوا لينتصروا، فالخرافةُ ليست خرافتَهُمْ. إِنهم يهبطونْ
من رحيل الخيول إِلى غرب آسيا المريضِ، ولا يعرفونْ
أَنَّ في وسعنا أَن نقاوم غازان - أَرغون أَلفَ سَنَةْ
بَيْدَ أَن الخرافةَ ليست خرافتَهُ. سوف يدخل عَمَّا قليلْ
دينَ قتلاهُ كي يتعلَّم منهم كلامَ قُرَيش..
ومعجزةَ السنديانْ
الصّدَى واحدٌ في الليالي. على قمّة الليل نُحْصي
النجومَ على صدر سَيِّدنا، عُمْرَ أَولادنا - كبروا سَنَةً بعدنا -
غَنَمَ الأَهل تحت الضباب، وأَعدادَ قتلى المغول، وأَعدادَنا
والصدى واحدٌ في الليالي: سنرجع يومًا، فلا بُدَّ من
شاعرٍ فارسيٍّ لهذا الحنين..
إِلى لُغَةِ السنديانْ
الحُروبُ تعلِّمنا أَن نحبَّ التفاصيل: شكْل مفاتيحِ أَبوابنا،
أن نُمَشِّطَ حنطتنا بالرموش، ونمشي خِفَافًا على أرضنا،
أَن نقدِّسَ ساعاتِ قبل الغروب على شجر الزَّنْزَلَخْت..
والحروبُ تُعَلِّمُنا أَن نرى صورة الله في كل شيء، وأَنْ
نَتَحَمَّل عبء الأَساطير كي نُخْرِجَ الوحشَ..
من قصَّة السنديانْ
كم سنضحك من سُوس خُبْز الحروب ومن دُودِ ماء الحروب، إِذا
ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغسيلْ
ثم نَصْنَع منها جواربَ.. أَما النشيدُ، فلا بُدَّ من رَفْعِهِ
في جنازات أَبطالنا الخالدين.. وأَما السبايا، فلا
بُدَّ من عَتْقهنَّ، ولا بُدَّ من مَطَرٍ
فَوق ذاكرة السنديانْ
خَلْفَ هذا المساء نرى ما تبقَّى من الليل، عما قليلْ
يشرب القَمَرُ الحُرُّ شايَ المُحَارب تحت الشجَرْ
قَمَرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لَهُمْ ولنا، هَلْ لَهُمْ
خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين، شايٌ، ونايٌ? وهَلْ
عندهُمْ حَبَقٌ مثلنا يُرجع الذاهبين من الموت...
في غابة السنديانْ?
.. وأَخيرًا، صعدْنا إِلى التَلِّ. ها نحن نرتفع الآن
فوق جذوع الحكاية.. ينبت عُشْبٌ جديد على دمنا وعلى دمهِمْ.
سوف نحشو بنادقنا بالرياحين، سوف نُطَوِّق أَعناقَ ذاك
الحمام بأَوسمة العائدين.. ولكننا
لم نجد أَحدًا يقبل السِّـلْم.. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا
البنَادِقُ مكسورة.. والحمامُ يطير بعيدًا بعيدًا
لم نجد أَحدًا ههُنا..
لم نجد أَحدًا..
لم نجد غابة السنديانْ!
 
tahiri4.jpg (59463 octets)
يَحُطُّ الحمامُ
- رأيتُ على البحر إبريلَ
قلتُ: نسيتِ انتباه يديكِ
نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي
فَكَمْ مَرَّةً تستطيعينَ أن تُولَدي في منامي
وَكَمْ مَرَّةً تستطيعين أن تقتليني لأصْرُخَ: إني أحبُّكِ
كي تستريحي?
أناديكِ قبل الكلامِ
أطير بخصركِ قبل وصولي إليكِ
فكم مَرَّةً تستطيعين أن تَضَعِي في مناقير هذا الحمامِ
عناوينَ روحي
وأن تختفي كالمدى في السفوحِ
لأدرك أنَّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ
يطير الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
إلى أين تأخذني يا حبيبيَ من والديَّ
ومن شجري، من سريري الصغير ومن ضجري،
من مرايايَ من قمري، من خزانة عمري ومن سهري،
من ثيابي ومن خَفَري?
إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين
تُشعل في أُذنيَّ البراري، تُحَمِّلُني موجتين
وتكسر ضلعين، تشربني ثم توقدني، ثم
تتركني في طريق الهواء إليك
حرامٌ... حرامُ
يطير الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
- لأني أحبكِ، خاصرتي نازفهْ
وأركضُ من وَجَعِي في ليالٍ يُوَسِّعها الخوفُ مما أخافُ
تعالى كثيرًا، وغيبي قليلاً
تعالى قليلاً، وغيبي كثيرًا
تعالى تعالى ولا تقفي، آه من خطوةٍ واقفهْ
أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ. أُحبُّكِ إذْ أشتهيك
وأحضُنُ هذا الشعاعَ المطوَّقَ بالنحل والوردة الخاطفهْ
أحبك يا لعنة العاطفهْ
أخاف على القلب منك، أخاف على شهوتي أن تَصِلْ
أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ
أحبك يا جسدًا يخلق الذكريات ويقتلها قبل أن تكتملْ
أحبك إذْ أشتهيكِ
أُطوِّع روحي على هيئة القدمين - على هيئة الجنَّتين
أحكُّ جروحي بأطراف صمتك.. والعاصفهْ
أموتُ، ليجلس فوق يديكِ الكلامُ
يطير الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
لأني أُحبُّك (يجرحني الماءُ)
والطرقاتُ إلى البحر تجرحني
والفراشةُ تجرحني
وأذانُ النهار على ضوء زنديك يجرحني
يا حبيبي، أناديكَ طيلة نومي، أخاف انتباه الكلام
أخاف انتباه الكلام إلى نحلة بين فخذيَّ تبكي
لأني أحبُّك يجرحني الظلُّ تحت المصابيح، يجرحني